15/02/2026

ليس كل فيلم يُعرض… ولا كل عرض يُبرَّر

ليس كل فيلم يُعرض… ولا كل عرض يُبرَّر

مساء أمس في صيدا، لم نجتمع لمشاهدة فيلم فحسب. اجتمعنا لاختبار ذائقتنا، وصبرنا، وربما قناعاتنا حول معنى أن يكون هناك “نادي سينما” في مدينة مثل هذه. حوالي خمسة وثلاثين شخصًا جلسوا في القاعة، بعضهم جاء بدافع الفضول، بعضهم بدافع الشغف، وبعضهم محمّلًا بتأثير عرض Cinema Paradiso السابق، ذلك الفيلم الذي يذكّرنا لماذا نحب السينما أصلًا.
لكن ما حدث بعد انتهاء My Last Valentine in Beirut كان أثقل من الفيلم نفسه.
الفيلم، للمخرج سليم الترك (2012)، ليس سهلًا ولا دافئًا، ولا يبدو حريصًا على كسب ودك ورضاك. يحكي عن “جولييت”، امرأة تعمل في الدعارة في بيروت، تتقاطع حياتها مع مشروع تصوير فيلم عنها، ضمن سرد متشظٍ وغير خطي، مليء بالقفزات والتجريب. هو عمل أقرب إلى اعتراف بصري أو يوميات داخلية منه إلى حكاية تُروى. لا يمسك بيدك، ولا يعنيه كثيرًا إن تهت في الطريق.
وهنا بدأ الشرخ.
لكن الانقسام لم يكن فقط حول فهم الفيلم أو عدمه، بل حول ما تلاه. بعد العرض، قُدِّم شرح تقني مطوّل عن أساليب التصوير والإخراج والمونتاج، عن زوايا الكاميرا والقطع البصري، عن الاختيارات الجمالية المقصودة. كان العرض ثريًا معرفيًا بلا شك. كثيرون تعرّفوا إلى تفاصيل من صناعة الفيلم لم يكونوا يعلمونها. كانت هناك قيمة تعليمية حقيقية.
لكن السؤال الذي بقي معلقًا في الهواء كان أكثر حساسية:
هل كان هذا الشرح إضاءةً… أم تبريرًا؟
وهل نحن بحاجة إلى فيلم مربك كي نتعلم عن المونتاج؟
ألم يكن ممكنًا فتح النقاش التقني نفسه عبر فيلم يمنح، إلى جانب العمق، متعة مشاهدة واضحة؟
كثيرون لم يخفوا شعورهم بالملل. بعضهم قالها صراحة: السرد مفكك، الإيقاع متعب، والاتكاء على “سينما المؤلف” لا يكفي ليحوّل الارتباك إلى فضيلة. في المقابل، كان هناك من رأى في التجريب بحد ذاته شجاعة تستحق الاحترام.
لكن القضية أعمق من اختلاف في الأذواق.
في مدينة مثل صيدا، حيث الثقافة ليست ترفًا بل مسؤولية، يصبح اختيار فيلم غير جماهيري فعلًا له دلالته. منتدى سبعين أعلن منذ تأسيسه أنه يسعى إلى خلق بيئة مختلفة. السؤال إذًا ليس إن كان الفيلم جيدًا أم لا. السؤال هو: ماذا نريد من نادي السينما؟
هل يكفي أن يثير العمل نقاشًا ليُعتبر ناجحًا؟
هل “الفن للفن” مقبول كخيار ثقافي في مدينة تتوق إلى مساحات جامعة؟
أم أن على النادي أن يوازن بين التحدي والمتعة، بين التجريب والقدرة على التواصل؟
فتح النقاش ليس أمرًا بسيطًا. أن يتكلم أشخاص لا يتكلمون عادة، أن ترتفع نبرة اعتراض هنا، وأن يُدافع أحدهم هناك — هذا بحد ذاته علامة حياة. لكن علينا أن نكون صريحين أيضًا: الاستفزاز وحده لا يكفي. الجدل ليس دائمًا دليل قيمة. أحيانًا يكون مجرد نتيجة لعمل لم ينجح في الإمساك بجمهوره.
ربما لم يكن الفيلم سيئًا. وربما لم يكن عظيمًا. لكنه وضعنا أمام مرآة غير مريحة:
هل نريد نادي سينما يُرضينا؟
أم نريده أن يختبرنا؟
وهل يمكن أن يفعل الأمرين معًا؟
الليلة الماضية لم تقدّم إجابات. لكنها كشفت شيئًا أهم: أن وظيفة الثقافة ليست أن تطمئننا دائمًا، ولا أن تستفزنا بلا معنى، بل أن تجعلنا نعيد التفكير في اختياراتنا — كجمهور، وكمنتدى، وكمدينة.
بعد أن أُضيئت الأنوار، لم يكن السؤال عن جولييت.
كان السؤال عنا نحن.

وسوم: أفلامسينمافنون

أخبار أخرى

  • 22/02/2026
    لِمَن تَنتصرُ الحياة؟
  • 15/02/2026
    ضبابيةُ الرؤيةِ من بحثِ المحظور

شاركونا فرح الحركة واستمتعوا معنا بإيقاع الدبكة

شاركونا فرح الحركة واستمتعوا معنا بإيقاع الدبكة

تدريب على خطوات الدبكة اللبنانية بإيقاع جماعي ممتع؛ أساسيات، تنسيق، وحركة لياقة خفيفة.