15/12/2025

صباح الخير يا صيدا

صباح الخير يا صيدا

أسكن في صيدا وتسكنني صيدا ، منذ نيفٍ وخمسين عاماً.
مكتبي الآن على بُعد عشراتِ الأمتار من “بوابة الشاكريّة” ، من السّور الذي كان يُطوِّق الجهة الشرقية للمدينة القديمة ابتداءً من “البوابة الفوقا”، حيث القلعة البرّية ، إلى “البوابة التحتا” ، حيث القلعة البحرية، مروراً ب “بوابة الشاكرية” في الوسط .

مكتبي الآن ،على بعد مئات الأمتار من البيت الذي نزل فيه ذلك الصبي الذي
كنتُ ،مع مطلع العام الدراسي ١٩٦١-١٩٦٢ للتّحضير للشهادة الابتدائية ،شهادة “السرتفيكا” .وكلّما انتابني ضيقٌ من التعصّب الذي يَضربُ فينا ،وكلّما سنحتْ ليَ الفرصة ،أراني أترك مكتبي وتسيرُ بي قدميَّ صعوداً ،في حي الشارع، من “بوابة الشاكرية” حتى مدرسة “الفرير” القديمة .
رائحة الفلافل الشهيّة ،”فلافل العكّاوي”(الرغيف ب ٢٥ قرش) وفلافل “أبو حسن بديع” (الرغيف ب ١٥قرش)،”مكتبة البساط” ،”معامل منير البساط للحلاوة و لراحة الحلقوم” . هذا الدّرج يؤدّي إلى حيث يسكن طلال(١)، وأمام هذا القبوْ كان ذلك الصبي يسترِقُ النظر والشمّ إلى صانع الكاتو،لابساً “الوزرة”والقِمعُ بين يديه ، مُنْكبّاً على تزيين القطع البنيّة المصفوفة في قوالب خشبية، بالكريما البيضاء.
هنا بيت فرنسيس من طنبوريت،هذا مدخل الخَمّارة . هنا،على هذا المنعطف بيت جوهر، وعلى هذا الدرج صعدتَ لأوّل مرةٍ ،إلى البيت الذي استأجره شقيقك محمد ورفاقه من الطلاب الوافدين من القرى، ليكون مأواك بعيداًعن الضيّعة والأهل.ومن هذا الباب دلفتَ في السّنة الثانية إلى غرفة عند “أم جورج” . قبل الوصول إلى درج القلعة البرِّية بخطواتٍ معدودةٍ ، تنعطف يميناً .هذا محل “عبدالله صوفان” .ومن هذه الشرفة كان يطلُّ عليكَ طلابٌ من “عدلون” و”انصارية” .تمرُّ في حي الزّويتيني ومنه إلى “رجال الأربعين” .تُطِلُّ على الأزرق الكبير .هناك “بحر اسكندر” و”حي الفواخير” ، وهنا “جورة الجمل” التي كدتَ تغرق فيها أوّل عهدك في تعلّم السباحة.
من رجال الأربعين إلى ساحة “ظهر المير” ومدرسة المقاصد والجامع العمريّ الكبير ،ومنها إلى “المصلبيّة”..من هنا على اليمين سينما الحمرا والممرّ إلى “النادي المعنيّ” والعصر الذهبيّ للكرة الطائرة .ومن هنا على اليسار سينما الأمبير و”حي الكْنَانْ”.خطوات وأمامكَ درج “قهوة القْزازْ”.في أعلى الدرج على اليمين محل الفوّال “أبو عادل” .يطلُّ عليك العكَّاوي الفارع الطول بالبُرنسِ الأبيض حاملاً المزيتة ومتفاخراً بأنَّ الحاج أمين الحسيني كان يرتاد مطعمه في مدينة عكا .
تصل إلى ساحة “باب السراي” ،ساحة التجمعات والخطابات والتظاهرات ،من هنا إلى الأسواق التجارية :سوق النجّارين، سوق اللحّامين ،سوق المنجِّدين،سوق القماشْ ،سوق الكندرجيِّي،القِشْلة ،البوابة التحتا .وتمرُّ من هناك بمحاذاة جدار”خان الفرنج” الغربي الشاهق، فيطلُّ عليك “بحر العيد” ،المينا،القلعة البحريّة والزِّيرة .
تفيق من حلمكَ.

حَملتْني صيدا ،يافعاً، مع أبناء جيلي الوافدين إلى مدارسها الابتدائية ،المتوسطة والثانوية ودار المعلمين والمعلمات من شتّى مدن وبلدات وقرى الجنوب ،وخاصة منها قرى قضاء صيدا.كان ذلك طيلة عقد الستينيات من القرن المنصرم .
كانت صيدا آنذاك نموذجا مصغّراًعما كان عليه لبنان .كانت أشبهَ بضيعةٍ “رحبانية”.وفدوا إليها وسكنوا فيها من بنت جبيل وقراها ،من النبطية وقراها، من صور وقراها،من جباع و جرجوع وإقليم التفّاح، من الوردانية والمغيرية وعانوت ودلهون والزعرورية والحجّة والرميْلة وإقليم الخرّوب ،من الزرارية وازري وعدلون وانصارية ،من البابلية والصرفندْ، من العدّوسية والبيسارية والنجارية والمروانية،من الغازية ومغدوشة وزيتا،من كفرحتى والقريّة وعين الدلبْ والمية ومية،من الهلالية وعبرا والبرامية ومجدليون.

حضنتنا صيدا في منازلها المتواضعة ، الرحبة والدافئة،وكنا بالكاد قد تركنا أحضان أمهاتنا.كنا ما بين الثانية عشرة والعشرين من العمر. أخذت بيدنا في أزقَّتها المسقوفة ،المتصالبة والمتقاطعة، المتوازية والمتفرعة .خفّفت عنا ،نحن أولادها، عناءَ التَّعب بحركة دروبها التي تُخفي أكثر مما تُبْدي، مما يجعلنا نتجول بيسرٍ وسهولة بين أحيائها عدّة مرات في اليوم دون أن ينال منا التعب: من “الشارع: إلى “الزويتيني” و”رجال الأربعين” ،إلى “الكنان” و”السبيل” ،إلى “السراي” والكشك” إلى “مار نقولا” و:حي اليهود” .
خصَّصت لنا صيدا قلعتين وحياً كاملاً برحاله الأربعين لحراستنا ،وعلّقت أسماء بوّاباتها حِرزاً مبيناً على زنودنا .
وبعد أن اشتدَّ عودنا ،أطلقتْنا في أحيائها البعيدة ،خارج السور، في “الدِّكرمان” وفي :الوسْطاني”،في “أبو اللطفْ” و”الشَّمعون” و “مكسر العبد”، في “سهل الصبَّاغ” و”القناية” و:القيَّاعة”. وأطلقتنا ما بين بساتين الليمون والموز والأسكدنيا في فضاءات عابقة بزهر الليمون.

جمعتنا صيدا في مدارسها،في المقاصد ،في الفرير والراهبات والإنجيلية،في تكميلية الصبيان(محمود حشيشو)،وفي تكميلية البنات(أنجليك صليبا)،في ثانوية “الزعتري” للصبيان و في ثانوية البنات(حكمت صباغ) وفي دار المعلمين والمعلمات (نزيه الخطيب).جمعتنا في الجامع العمريّ وفي الحسينية ،في الكنيسة الأرثوذكسيّة قرب سوق النجَّارين و الكنيسة الكاثوليكية في شارع المطران، وفي الكنيسة المارونية في شارع رياض الصلح .وأدخلتنا في عوالم الفن السابع من بلاكين وصالات “الحمرا” و”الأمبير”، “الهيلتون” و”الشهرزراد”، “الريڤولي” و”الكابيتول”.

يقولون لي صارت المدينة في مكان آخر، لماذا لا تنقلْ مكتبك؟. لماذا لا تلحقْ بالمدينة؟ يلعب القدر لعبته.دار الزمان دورته الكبيرة وأعادني بعد أربعين سنة إلى أقربِ نقطة من المكان الذي نزلتُ فيه أول عهدي بصيدا .ولم أستطع بعدها مغادرة هذا المكان . أُسائلُ نفسي هل أنا أقرب إلى صيدا الستينيات من أي زمن آخر.
صيدا خيمتنا، صيدا ذاكرتنا.

الكاتب بالعدل حسين حرب

Tags: صيدا

أخبار أخرى

  • 06/02/2026
    فريق الدبكة في منتدى سبعين… خطوات تحرس الذاكرة وتُجدّد الروح
  • 05/02/2026
    أمسية شعرية نابضة بالحضور والإبداع في منتدى سبعين

شاركونا فرح الحركة واستمتعوا معنا بإيقاع الدبكة

شاركونا فرح الحركة واستمتعوا معنا بإيقاع الدبكة

تدريب على خطوات الدبكة اللبنانية بإيقاع جماعي ممتع؛ أساسيات، تنسيق، وحركة لياقة خفيفة.