تبلغ السينما الإيطالية سنَّ الرشد مع الكثير من الإبداعات لجهة الإخراج السينمائي، مشكلةً عواملَ جاذبةً متنوعةً للذوق العام.
تبلغ السينما الإيطالية سنَّ الرشد مع الكثير من الإبداعات لجهة الإخراج السينمائي، مشكلةً عواملَ جاذبةً متنوعةً للذوق العام.
لا أدّعي الشغف أو المتابعة الدؤوبة للفن السابع، إنما مسألةُ تمضيةِ جزءٍ من الوقت داخل أدمغة العالم أمرٌ جاذبٌ لا يمكنني الإفلات منه..
وبمصادفة حضور جلسة نادي السينما لمنتدى سبعين في مدينة صيدا اللبنانية الجنوبية، وبعد مرور زمنٍ لا بأس به من الانفصال (الأنا- الفيلم)، أثناء عرض فيلم
” سينما باراديسو ” للكاتب والمخرج الإيطالي
” جيوزبي تورنتوري” ….
ولو سأل سائلٌ عن قصة الفيلم، لكانت الإجابة في سطرٍ يسرد شغفَ صبيٍّ صغيرٍ بالسينما.. والطبيعي ألا يكون الترابط منطقيًا بين سطرٍ ومدةِ ساعتين من العرض، وهذا بالتحديد ما يمنح الفيلم ثقله وأهميته؛ إذ ميّزت جدارةٌ واضحةٌ الطاقمَ العامل، فجعلت العمل قطعةً فنيةً متكاملةً عبر تأويل التفاصيل في ذهن مخرجٍ متمكنٍ يشرع بابَ مخيلته لاستقبال مشاهدٍ ملولٍ كحالتي، لعيش الانفصال والتسلل إلى دماغ تورنتوري عبر التفاصيل الدقيقة، حيث استطاع طرح الكثير من الأسئلة حول الجزيئات المعاشة. إلا أن تفصيل توظيف الأمكنة معاشًا كان لافتًا.
انتقل تورنتوري، من خلال اختيار زاوية الكاميرا الضيقة بين جدارين، لالتقاط صور المكان ” سينما باراديسو”، المتمركز وسط ساحةِ بلدةٍ مفتوحةٍ ومساحاتٍ واسعةٍ بلا حدودٍ، ما جعل هذا المكان أصلًا مجتمعيًا يتخطى الساحةَ والقريةَ وربما البلادَ الأوسع..
المكان- السينما- يصبح المجتمع الأصيل؛ مكانًا يجمع كافة الشرائح والأجناس الموجودة في المنطقة الأوسع، لتتعايش في بيئةٍ منظمةٍ وفق صفوفٍ مترابطةٍ من المقاعد تنعكس بينها معاني التفاعلات المجتمعية: عشقٌ، وشغفٌ، وصراعاتٌ طبقيةٌ، وعلاقاتُ إنتاجٍ واستثمارُ الربح والخسارة، وصراعاتُ الأجيال، وشيطناتُ المراهقين ومكبوتاتُ النضوج، وعلاقاتُ العمل ومردودها، وصولًا إلى العلاقة الأمثل بين طفلٍ شغوفٍ أخذته دهشة العرض لبناء علاقةٍ أبعدَ من صداقةٍ وأعمقَ من الأبوة بين الطفل والراشد ” الفريدو ” الأمي تعليمًا؛ الذي علمته الأفلام، بحرفيةٍ مهنيةٍ، عمقَ التجربة الحياتية، ليكون الداعم الأمثل لهذا الطفل المربك بأحلامه ..
المكان – السينما- من وجهة نظر تورتوري منتجٌ ومصطفٍ للمواهب الحقيقية؛ فكلُّ أطفال القرية في المكان نفسه يعيشون التفاصيل ذاتها، إلا أن ” توتو” وحده استطاع تحديد هدفه وميوله وقصد متابعتها، ليبني هويته المهنية والفنية لاحقًا …
ينقلنا تورنتوري إلى الوظيفة الاقتصادية للمكان- سينما باراديسو- ليحكي قصة التطور التاريخي للمجتمعات؛ إذ تتحول السينما إلى استثمارٍ مربحٍ يستغله أحدُ المتمولين بعد إصابة العامل الفريدو، فتستحدث الآلات والديكورات والمداخل، وتنتظم العلاقة التجارية بين الزبون والمكان. هنا يبدأ المجتمع بالتسلخ شيئًا فشيئًا؛ إذ تنسحب السينما من كونها المجتمع الأصيل، ويبدأ المصور بانتقاء كادرات من أماكن أكثر اتساعًا، تتجاوز حدود تسليط الضوء على السينما بين جدارين. ومع الوظيفة الاقتصادية نجد أنفسنا أمام مجتمعين منفصلين معاشًا ومترابطين موضوعًا، لتصل المأساة الكبرى مع تطور المكننة: قطاراتٌ، وطائراتٌ، وسياراتٌ تأكل الساحات وتلغي فسح التلاقي، وصولًا إلى انهيار السينما تدريجيًا وهدمها، معلنًا نهاية الوظيفة الاجتماعية المكانية للسينما والاكتفاء بوظيفتها الاقتصادية المرتبطة بجدوى الاستثمار، المبنية على ذكرياتٍ وحنينِ الطفولة لطفلٍ التزم الهجر حتى لأسرته ليحقق أحلامه.
فكيف للأطفال الجدد، من هم دون ذاكرة الحنين، السعي لبناء سينما تعيد استنساخ أصالة مجتمع؟
هو السؤال الذي يطرحه ضمنًا المشهد الأخير من الفيلم؛ حيث يجلس المخرج الناجح ” توتو ” الكبير مستعيدًا ذكرياته المصورة دامعًا، فيما مجنون الميدان يتنقل بحذرٍ بين سيارات الساحة فاقدًا صوت صراخه حين يقول بهدوءٍ محبط:
” هذا الميدان لي ” ….
خديجة جعفر







